القصيدة المولدية بالمغرب

يكاد يكون فن المدح أكثر فنون الشعر العربي إبداعا، بما توفر لدى الشعراء من بواعث فنية أو نفعية، أتاحت للقصيدة المادحة نقل عاطفة الإعجاب، بسبب ما تثيره في النفس من انفعالات تبعث على نظم الشعر من جهة، وبما هلا من صدق الشعور والإخلاص في التعبير عما يعتمل في خواطر الشعراء من جهة أخرى

المختار السوسي ومشروع الثقافة الوطنية

هناك أناس تركوا دويا ما يزال صداه يتردد، وما تزال الأجيال تستفيد من عطائهم وتتزود مما خلفوا من آثار.. منهم العلامة محمد المختار السوسي الذي كان مؤسسةً وحدَه، وقد وجد تاريخ سوس وتراثه يعاني الإهمال والتهميش، فنذر نفسه لخدمة العلم السوسي، ومن خلاله العلم المغربي والعلم العالمي..

عبد الله كَنّون مدافعا عن اليوسي

كم هو جميل ورائع أن نتقن عناصر ثقافتنا وحضارتنا بشكل يجعل معيشنا وحضورنا في العالم يتم وفق أرقى مستويات الوعي بالطبيعة والتاريخ. ولاشك أن استيعاب معطيات الثقافة الوطنية من شأنه رفد الحياة بالخبرات الضرورية للحياة الكريمة كما يحفظ هيبة الوطن في أفق الانتقال من القوة بالقوة إلى القوة بالفعل..

 
 
علماء أدباء
أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَد بْنِ مُحَمَّدٍ الرَّهُونِيّ


 • من أعلام تطوان :

أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَد بْنِ مُحَمَّدٍ الرَّهُونِيّ

(1288هـ - 1373هـ)

(1871م - 1953م)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

▪ بقلم : د. رشيد العفاقي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


اسْمُهُ ونَسَبُهُ :

هُوَ أَبُو العَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنِ مُحَمَّدٍ الرَّهُونِيّ[1]، أَصْلُهُ من قَبِيلة «الْأَخْمَاس» الجَبَلِيّة الهَبْطِيّة، كَانَ أسلافه يُعرفون قديما بـ«أولاد النَّجَّار». انتقل أحد أجداده إلى قبيلة «رهونة» الجَبَلِيّة، وطَالَ مُقامه بِهَا فَقِيهًا مُشَارِطًا، ولَمّا رَجَعَ إلى موطنه صَارَ قَوْمُهُ يَدْعُونَهُ بـ«الفقيه الرهوني». وشَاعَ الاسْمُ الجديد، فَنَسِيَ النّاسُ لَقَبَ «النَّجَّار» بَعْدَ أَنْ حَلَّ مَحَلَّهُ لَقَبُ «الرَّهُونِيّ» الذي أصبح أبناءُ الفقيه المذكور لا يُعْرَفُونَ إِلَّا بِهِ وذلك بدايةً مِنْ عام 1111هـ. استقرّ وَالِدُ أَحْمَدَ الرَّهُونِيِّ بمدينة تطوان عندما تزوّج بالسَّيِّدَةِ آمنة بنت الطالب الحاج عبد الله مامي عام 1287هـ، والمُترجَم بِكْرُ أَوْلَادِهِمَا.


مَوْلِدُهُ ودِرَاسَتُهُ فِي الْمَكْتَبِ :

وُلِدَ أحمدُ بن محمد الرهوني بمنزل عائلته بِرَبَضِ العيون مِنْ مدينة تطوان زوال يوم الأربعاء 18 جُمادى الأولى عام 1288هـ/ 1871م. ولَمَّا بَلَغَ نحو أربع سنين دَفَعَ بِهِ والدُه إلى مَكْتَب مسجد الحَيِّ، وهناك جَلَسَ الوَلَدُ أحمد إلى عدد من الفُقهاء المُدَرِّرِين، ثُمَّ مالبث أن انتقل إلى مكاتب مُجاورة. أَقْرَأَهُ القُرْآنَ الفقيهان: أحمد شابو، والمامون بن محمد ابن عبود العمراني. وبالتّوازي مع حِفظه لكتاب الله العزيز شَرَعَ أحمد الرهوني - منذ ذلك الوقت المُبَكِّر- في حفظ بعض المتون العِلمية كمُقدمة ابن آجروم الفاسي. وقد دامت هذه المرحلة الأولى من التكوين والتّحصيل لدى الرهوني مُدَّة ثلاث سنوات.


أَحْمَدُ الرَّهُونِيُّ فِي مَجَالِسِ الدَّرْسِ وَالْإِقْرَاءِ بِتِطْوَانَ :

تَتَلْمَذَ أَحْمَدُ الرَّهُونِيُّ عَلَى عَدَدٍ مِنْ شُيُوخِ الْعِلْمِ بِبَلْدَتِهِ تِطْوَانَ، منهم: العلّامة محمد بن علي عزيمان، والفقيه عبد الله بن عبد الرحمن لوقش، والعلّامة محمد بن محمد الأبّار، والأديب امَحمد بن عمر أسنوس، والعلّامة محمد المفضل ابن محمد بن الهاشمي أفيلال الحسني العلمي، والعلّامة التهامي أفيلال، والعلّامة محمد بن أحمد النجار الأنصاري، والعلّامة أحمد بن الطاهر الزواقي، والعلّامة المختار بن أحمد المدعو ابن القاضي الوهّابي العلمي، والعلّامة المُحَقِّق محمد بن أحمد بن التهامي البقالي، والعلّامة عبد القادر بن عبد الواحد بن الطيب الفاسي، والفقيه العلّامة محمد بن محمد برهون الغماري.

وقد شملت مواد دراسة الرهوني على هؤلاء الشيوخ عَدَدًا مِنَ المتون العِلْمِيّة، وتآليف مُصَنَّفَة في شَتَّى فنون المعرفة[2]. أمّا مواضع الدراسة والأخذ عن الشيوخ المذكورين بتطوان، فقد كانت - بِحَسَبِ ذِكْرِ الرّهُونِيِّ- في الجامع الأعظم، وجامع السويقة، وجامع العيون، والزاوية الريسونية. وقد امتدّت مرحلة الطَّلَبِ هذه لدى الرّهُونِيّ حتى أواسط شهر صفر من عام 1309هـ، فَفِي الشّهر التَّالِي غَادَرَ أَهْلَهُ بتطوان وشَدَّ الرِّحَالَ إلى مدينة فاس.


رِحْلَةُ أَحْمَدَ الرّهُونِيِّ إِلَى فَاس :

سَافَرَ أحمد الرهوني إلى مدينة فاس أواخر ربيع الأوّل من عام 1309هـ، وذلك بهدف استكمال دراسته بجامع القرويين. فهو يذكر أنه خرج إلى فاس ضحوة يوم الأحد 21 ربيع الأوّل عام 1309هـ. وقد تَوَافَقَ أنْ خرج بِرُفْقَةِ جماعة من التطوانيين، وقَطَعَ مسافة الطريق مِنْ تطوان إِلَى فاس في مُدّة 14 يَوْمًا، فَوَصَلَ فَاسًا يوم 4 ربيع الثاني من عام 1309هـ، ونزل في بيت بمدرسة العطّارين. وما أن استقر به المقام بفاس حتى بدأ يتردّد على جامع القرويين، وكان الرهوني يَقُولُ عن تلك المرحلة التي قضاها بفاس: «إِنّنِي لَمْ أَكُنْ أَجِدُ نَشَاطِي إِلَّا فِي حَلَقَاتِ دُرُوسِ مَشَايِخِ الْقَرَوِيِّينَ». ومنذ أن دخل الرهوني مدينة فاس وهو يُلازم خَتْمَةَ القرآن العظيم فِي كُلِّ شهر. وفيما يلي بَيَانٌ بأسماء العلماء الذين أخذ عنهم الرهوني بمدينة فاس:

العلّامة أحمد بن محمد ابن الخيّاط الزكاري، والعلّامة عبد الملك بن محمد العلوي الفيلالي الضرير، والعلّامة أبو عبد الله محمد بن التهامي الوزاني، والعلّامة أبو عبد الله محمد بن جعفر بن إدريس الكتاني، والولي الصالح امَحمد بن عبد السلام كنون، والعلّامة محمد بن قاسم القادري، والعلّامة الصوفي أبو العباس أحمد بن الجِلالي الأمغاري، والعلّامة محمد بن حرازم الصنهاجي المُلَقّب بِـ(مَانِي)، والعلّامة المُحَدِّث محمد التهامي ابن المدني كنون، والعلّامة الفَقِيه عبد السلام بن أحمد الهواري، والعلّامة الأديب العباس بن أحمد التازي، والعلّامة الصوفي عبد العزيز بن محمد بناني، والفقيه العلّامة عبد الرّحمن ابن القرشي الفيلالي، والعلّامة أبو عيسى المهدي بن محمد الوزاني، والعلّامة أحمد بن مُحَمّد السَّلَوِيّ.

أَخَذَ أحمد الرهوني عن هؤلاء الشيوخ في أماكن إقرائهم وتدريسهم مِنْ فاس، وَقَدْ سَمَّاهَا في فهرسته، فَذَكَرَ: جامع القرويين، وجامع اللّبّارين، وضريح القُطْب أحمد بن يحيى، والمسجد المقابل للزاوية الكتانية مِنْ عقيبة السّبع، ومسجد الجوطية، وزاوية الولي الصالح الغازي بن أحمد الفيلالي المُقَابِلَة لمدرسة الشّرَّاطِين، ومُنْتَزَه اللّوِيزَات. أمّا المواد التي درسها أحمد الرهوني على علماء فاس، فقد اشتملت على عدد كبير من التآليف العلمية[3]. كما تخلّلت دراسته عليهم مُذَاكَرَاتٌ في كثير مِنَ العُلُوم[4]. وقد رجع أحمد الرهوني إلى تطوان لِصِلَةِ الرَّحِم بوَالِدَيْه وأَقَارِبِهِ عام 1311هـ، ثم آبَ إلى فاس في نفس العام واستأنف تحصيله العِلْمِيّ حتى أواخر صفر عام 1315هـ.


رُجُوعُ أَحْمَدَ الرَّهُونِيِّ إِلَى تِطْوَانَ :

رَجَعَ أحمد الرّهُونِيّ إلى تطوان في أواخر صفر عام 1315هـ، فَجَدّد اللقاء بشيوخ العِلْمِ، وهكذا استمرّ في حضور حلقات الدروس بتطوان والتَّلَقِّي والأَخْذِ عَنْ عُلمائها، فهو يَذْكُرُ في كتابه «عُمدة الرّاوين» أنّه لَمَّا رجع من فاس قَرَأَ على العلّامة النَّحْوِيّ محمد بن محمد بن المجاهد غيلان التطواني بالزّاوية الريسونية.


حياته العائلية:

في يوم الجُمعة 8 شوّال عام 1317هـ عَقَدَ أحمد الرهوني على السَّيِّدَةِ أُمّ كلثوم بِنْت العلّامة سيدي الحاج العربي ابن الحاج أحمد مَرْتِيلْ. وكان عَقَدَ قَبْلَهَا على كريمة شَيْخِهِ العلّامة سيدي عبد القادر بن عبد الواحد الفاسي، فاسترسل عليها مَرَضٌ مَنَعَ مِنْ إِتْمَامِ الْأَمْرِ إِلَى أنْ قُدِّر الفِرَاقُ.

والسَّيِّدَةُ أُمُّ كلثوم هي أُمُّ أولاد أحمد الرهوني، وقد أَرَّخَ وِلَادَاتِهِم في كِتَابِه «عُمدة الرّاوين»، فَذَكَرَ: فاطمة (1318هـ)، وأحمد (1322هـ)، ورُقَيّة (1325هـ)، وامَحَمَّد (1327هـ)، وخديجة (1330هـ)[5].


أَحْمَدُ الرّهُونِيُّ مُدَرِّسًا لِلعُلُومِ فِي تِطْوَانَ :

بَعْدَ عَوْدَتِهِ من فاس مُحَمَّلًا بِعِلْمٍ غزير، نَشِطَ أبو العباس أحمد الرّهوني للإقراء بالبلدة التطوانية، فشرع في التدريس والمُذاكرة في العلوم مع عدد من إخوانه وطلبة العلم الذين تحلّقوا حَوْلَهُ. وقد توسّع الرهوني في إقراء عددٍ من المصنفات العِلْمِيّة، وذلك في مواضع كثيرة مِنْ تطوان، كالجامع الأعظم، وجامع لُوقَش، وزاوية سيدي أبي جِيدة أمحلي، ومسجد سيدي علي المصيمدي، وجامع العيون، والزّاوية التيجانية[6].


تَــآلِــيـفُـهُ :

سَرَدَ أبو العباس أحمد الرهوني في «عُمدة الرّاوين»[7] أَسْمَاءَ الكُتُبِ والرّسائل التي أَلَّفَهَا، وَقَدْ أَحْصَيْنَاهَا فَوَجَدْنَاهَا بَلَغَتْ 36 تَأْلِيفًا، جَاءَتْ عَلَى التَّرْتِيبِ التَّالِي:

1- تسهيل الفُهوم على مُقَدِّمَة ابن آجروم.

2- منهل الوُرّاد في شرح لامية المجراد.

3- مِنَحُ الكريم المفضال بشرح لامية الأفعال.

4- رفع الخَصَاصَة عن قُرّاء الخُلَاصَة.

5- هداية المسترشد لفهم كلام المُرْشِد[8].

6- الغنيمة الكبرى بشرح المُقَدِّمَة (مُقَدِّمَة السنوسي) الصُّغْرى.

7- النَّشْرُ الطَّيِّب في شرح أرجوزة الشيخ الطَّيِّب.

8- جَرَيَانُ الْقَلَمِ بِشَرْحِ نَظْمِ السُّلَّم.

9- مِنَنُ الفَتّاح الجَلِيل بشرح «مُختصر خليل».

10- حادي الرِّفَاق إلى [شرح] لامية الزَّقّاق.

11- حُصُولُ الْأُلْفَةِ لِقُرَّاءِ[9] التُّحْفَة.

12- مُذاكرة إخواني برسالة ابن أبي زَيْد القيرواني.

13- نصح المؤمنين بشرح قول ابن أبي زيد: «والطّاعة لأئمّة المسلمين».

14- تحرير المقال بِمِنّة الواحد المتعال في مسألة الكسب وخلق الأفعال.

15- إعلام[10] الأنام بحقوق آل البيت الكرام[11].

16- الفوائد الحسنة والتنبيهات المستحسنة.

17- تحفة الإخوان بسيرة ولد عدنان (صَلّى الله عليه وسَلّم)[12].

18- إتحاف المُحِبّ الفاني بمختصر سيرة سيدنا ومولانا أحمد بن امحمد التِّجَانِيّ.

19- عُمدة الرّاوين في تاريخ تطّاوين.

20- الجواهر الثمينة في تحرير مسألة أولاد مَدينَة[13].

21- التحقيق والإفادة في حُكم الرجوع عن الشهادة[14].

22- مختصر مقدمة القسطلاني لـ«إرشاد السّاري في شرح صحيح البخاري».

23- ختم «شفاء» القاضي عياض.

24- رسالة في حُكْم الهجرة.

25- تحرير النظر.

26- رسالة في تحرير حُكْم قاتل نفسه.

27- منظومة في الفرائض وشرحها.

28- رسالة في اختصار تآليف محمد بن جعفر الكتاني وامحمد القادري في حُكْم المُقَلِّد في العقائد.

29- اغتنام الثواب والأجر في فضائل ليلة القدر.

30- رسالة طويلة في شرح سُورَة القَدْرِ.

31- اخْتِصَارُ الرِّحْلَة العَيَّاشِيَّة.

32- تقريب الأقصى من تاريخ «الاستقصَا».

33- اللُّؤْلُؤُ الحَطِيب من كِتاب «نفح الطِّيب»[15].

34- نتائج الإِحْكام في النوازل والأَحْكَام.

35- فضل الكريم المَنّان على قارئ القرآن.

36- حُلَلُ الديباج في ليلة المعراج[16].

37- نصيحة الوطن لمقيمه[17].

ونُشير إلى أنّ عَدَدًا من التآليف المذكورة قد عَرَفَ طريقه إلى المطابع العصرية[18].

وثمّة في التآليف التي خَطَّهَا أحمد الرهوني بِيَمِينِه مَا لَمْ يَرِدْ ذِكْرُهُ في هذه اللائحة، ولَعَلَّهُ ألّفَهَا بَعْدَ الفراغ من كتابة «عُمدة الرّاوين»، منها ما هو مطبوع كـ«حواشي على بهجة التسولي» - ألّفَهُ بالاشتراك مع أحمد بن محمد السَّلَوِيّ وأحمد الزّوَّاقِيّ-؛ والرِّحْلَة الْمَكِّيّة (1355هـ/1356هـ)؛ ومُخْتَصَر «عُمدة الرّاوين»[19]؛ كَمَا نَشَرَتْ لَهُ الصّحافة التطوانية في عهد «الحِماية» عَدَدًا مِنَ الخُطَبِ والمقالات[20]؛ وكذا نصّ رحلته إلى معرض إشبيلية وبرشلونة، التي سَمَّاهَا: «الرّاحة الإنسانية في الرِّحْلَة الإسبانية» أو «الحُلَّة السندسية في الرِّحْلَة الأندلسية»، وهي منشورة مُسَلْسَلَةً في جريدة «الإصلاح» عام 1930م، وقد طُبعت مجموعة سنة 2017[21] .

ويُوجَدُ مِنْ تآليف أحمد الرهوني مَا هو باقٍ في عِداد المخطوط حتى الآن، في المكتبة الوطنية بالرباط والخزانة العامّة بتطوان، وفي غيرهما، كـ«تنبيه الأنام على مَا في كتاب الله مِنَ المواعظ والأحكام»؛ و«الدُّرَر المُجَمّعة في مناقب الخُلفاء الأربعة»[22]؛ وديوان شِعْر؛ ومُلَخّص «عُمدة الرّاوين»[23]؛ وكتاب «كشفُ الأَزِمّة في الأيْمان اللّازِمَة»؛ وكتاب «الأسئلة والأجوبة»؛ و«جَواب في الوباء»؛ وكتاب «المواهب الإلهية بالرِّحْلَة الحجازية» وهو نُقُولٌ مِنْ رِحْلَةِ العَبْدَرِيّ؛ و«نظم في علماء وصلحاء تطوان» في 300 بيت، وَضَعَهُ بِطَلَبٍ من محمد بن البشير الريسوني سنة 1358هـ/1939م؛ وكُنّاشة خَاصّة بِالمُنْتَسِبِينَ للطّرِيقَة التِّيجَانِيّة؛ ومجموعة خُطَبٍ.

كما تنبغي الإشارة إلى أنّ الفقيه أحمد الرهوني كان مُولَعًا بوضع مختصرات لعدد من التآليف والرسائل العِلْمِيّة، ولَعَلَّهُ نزع إلى ذلك لِكَوْن الاختصار يُتيح له استيعاب مضامين عدد من التآليف المُطَوّلة، فقد اختصر «الأزهار العاطرة الأنفاس» لمحمد بن جعفر الكتاني؛ و«الدرر البهية» للفضيلي؛ وكِتَاب «فتح العليم الخبير بتحرير النَّسَب العَلَمِيّ بِأَمْرِ الأمير» لابن ريسون؛ و«بلوغ القصد والمرام، ببعض ما تنفر منه الملائكة الكرام» لمحمد بن جعفر الكتاني؛ و«طلعة المشتري في النَّسَب الجعفري» لابن ناصر؛ و«فهرسة» محمد بن قاسم القادري؛ و«النّجاة بفضل الله من الكفر والآثام، بِتَعَلُّم العقائد وأخذها مِمَّا جاء به الرسول عليه السّلَام» لمحمد بن قاسم القادري أَيْضًا؛ و«الدر المكنون في التعريف بالعلّامة سيدي الحاج محمد بن المدني كنون» لمحمد المشرفي؛ و«فهرسة» جعفر الكتاني؛ و«فهرسة» عبد القادر الكوهن؛ و«فهرسة» المهدي الوزاني؛ و«الكشف والبيان لما يرجع لِلْمُكَلَّفِينَ مِنْ عقائد الإيمان» لمحمد بن جعفر الكتاني؛ و«نظم المتناثر في الحديث المتواتر» لَهُ أَيْضًا؛ و«شِفَاء الأسقام والآلام بِمَا يُكَفِّر مَا تقدّم ومَا تأخّر مِنَ الذنوب والآثام» لمحمد بن جعفر الكتاني أَيْضًا. وجُلُّ هذه المختصرات يُوجَدُ مُضَمَّنًا في عَدَدٍ مِنْ كُتُبِ أبي العباس الرهوني المخطوطة والمطبوعة الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا.


وَظَائِفُ أَبِي العَبَّاسِ أَحْمَدَ الرّهُونِيِّ :

شَغِلَ أبو العباس أحمد الرهوني عددا من الوظائف، فإلى جانب التّدريس بمساجد تطوان وزواياها، وانْتِصَابِه عَدْلًا بِسِمَاطِ شُهُودِهَا عام 1315هـ، وَلِيَ العدالة بديوانة تطوان في فاتح ربيع الأوّل عام 1316هـ مع الأمين الحاج إدريس ابن عبد الجليل الفاسي، والحاج امَحَمّد ابن عبد الله الرباطي وِلَادَةً والتطواني الأَصْلِ. وقد لبث الرهوني في هذه الوظيفة إلى عام 1317هـ. وفي عام 1318هـ رشّحه قاضي البَلَد لِمُهِمّة فَرْضِ النّفقات. وفي شهر جُمادى الأولى مِنْ سنة 1319هـ عُيِّن للعدالة بديوانة مَرْسَى الجَدِيدَة، فتوجّه إليها وعَمِلَ بِهَا مُدَّةً، وأثناء مُقامه بهذه المدينة كان ينشط في مجال التدريس والتّحصيل، ثُمَّ رَجَعَ إلى بلده تطوان يوم الأربعاء 12 ربيع الأوّل عام 1320هـ. وفي أواخر شعبان من عام 1324هـ اسْتُدْعِيَ للكتابة بِدَارِ النِّيَابَةِ بطنجة مع النّائب السُّلْطَاني الحاج محمد بن العربي الطريس، فَتَوَجَّهَ إلى طنجة، وفي فاتح رمضان من العام المذكور تَوَلّج في جُمْلَةِ كُتّاب دار النِّيَابَة التي كانت بمثابة وزارة خارجية المغرب ومُهِمّتُها التفاوضُ مع قناصل الدول الأوربية والأمريكية. وإلى جانب عمله المذكور دَرَّسَ أبو العباس الرهوني بالمسجد الأعظم بطنجة، وخطب بزاوية أبي عراقية، وبَقِيَ مُوَظَّفًا بِدَارِ النِّيَابَةِ إلى أن توفي الطريس في شعبان عام 1326هـ، ثم رُشِّح ثانية للكتابة مع النّائِب الفقيه العلّامة الوزير الخطير السَّيِّد امحمد بن محمد الجَبّاص الفاسي، ولَمْ يَزَلْ مَعَهُ في عِزٍّ ورِفْعَة إلى أنْ عُيِّنَ بها (أعني بطنجة) مستشارا شرعيا، وقاضيا للاستئناف، وكاتبا أوّل، ومُدَرِّسًا بالمدرسة الكُبْرَى هُنَاكَ، وذلك بأوامر مخزنية. ثم رجع الرهوني إلى بلده تطوان أواخر جمادى الثانية عام 1331هـ. وبعد ذلك انْتُخِب لوزارة العدلية بالمنطقة التطوانية مع الخليفة السلطاني مولاي المهدي، ثُمَّ أُخِّرَ عن وظيفته لأسباب سياسية. وَلَمَّا توفي الخليفة السلطاني المذكور عام 1342هـ، وخَلَفَهُ وَلَدُهُ مولاي الحسن بن المهدي، استعاد الرهوني حُظوته، فَسُمِّيَّ في الفاتح من ذي الحِجّة عام 1342هـ قَاضِي قُضاة المنطقة، ثم عُيِّنَ في مُحَرّم عام 1343هـ قاضيا لتطوان. وفي عام 1345هـ أَخَّرَهُ الخليفة السلطاني عن قضاء تطوان، وبقي الرهوني محتفظا بمنصب قاضي القضاة إلى أن عزله الخليفة المذكور بالكُلِّيّة عن جميع الوظائف الحكومية عام 1353هـ. ثُمَّ مَا لَبِثَ أَنِ اسْتُدْعِيَ للعمل خارج نِطاق الحُكُومَة، فَعُيِّنَ مُفَتِّشًا للعلوم، ثُمَّ رئيسا للمجلس الأعلى للتعليم وهو المَنْصِب الذي ظَلَّ يشغله الرهوني حتى عام 1358هـ قَبْلَ أنْ يُحَالَ نهائيا على التّقاعد.   

وقد انتهى الحال بالفقيه أحمد الرهوني في الهزيع الأخير من عمره إلى بَيْعِ كُتُبِه، وهي آخر ما يُباع من المَتاع، وذلك لِدَفْعِ أَكْلَافِ العَيْشِ، أو مَا تَبَقَّى مِنَ الْعَيْشِ. وعن بعض أحواله في آخر سِنِين العمر، يقول تلميذُه محمد داود الذي خَلَفَه في كِتابة تاريخ تطوان: «قِيلَ لِي قُبَيْلَ وَفَاتِهِ، إنّ الحَاجَة لِسَدِّ رَمَقِهِ وَرَمَقِ عِيَالِهِ، ولتسديد بعض دُيونه، قد اضْطَرّته لِبَيْع جميع كتبه حتى نُسْخَته الوحيدة من تاريخه «عُمدة الرّاوين»، وهي الَّتِي كَتَبَهَا بِخَطِّهِ في عَشْرِ مُجَلّدات. قضى السنوات الأخيرة من عمره مَنْبُوذًا من أصحاب السلطة والجاه، مُبْعَدًا عن الوظائف العَمَلِيّة، مُنْزَوِيًا في بُستانه خارج تطوان، بَعِيدًا عن الخَلْقِ، مُنْقَطِعًا لعبادة الله»[24].


•  وَفَـاتُـهُ :

أرّخ الفقيهُ محمد داود وَفَاةَ شيخه أبي العباس الرّهوني، فَقَالَ: «لقد كانت وفاةُ أستاذنا الرهوني - رَحِمَهُ الله- في بُستانه الواقع في حَوْمَة «الطوابل» وسط البساتين الواقعة بضواحي تطوان، مساءَ يوم الإثنين ثالث عشر ربيع الثاني عام 1373 مُوافق 21 دجنبر سنة 1953. ودُفن بعد صلاة العصر من يوم الثلاثاء في الزاوية العيساوية التي بِحَوْمَةِ العيون مِنْ تطوان بعد الصّلَاة عليه في مُصَلّى باب المقابر. وإنّ ما عند الله لَهُوَ خَيْرٌ وَأَبْقَى، وعلى شيخنا الفقيه الرهوني من الله الكريم، الرّحمة والرِّضْوَان»[25].




[1] اسْتَنَدْنَا فِي تحرير هذه الترجمة أَسَاسًا على ما كتبه الفقيه أحمد الرهوني حول سيرة حياته في (الجزء 8 ، ص.129-297) مِنْ كِتابه (عُمدة الرّاوين)، وفي مواضع متفرقة مِنَ الجُزْءَيْن 9 و10 مِنْ (عُمدة الرّاوين) أَيْضًا. وعلى ما كتبه عنه تلميذه الفقيه محمد داود في (تاريخ تطوان، ج.1 ، ص.57-58). وعلى بعض أخباره الواردة في عدد من المراجع الأدبية والتاريخية.

[2] انظر: عمدة الراوين، ج.8 ، ص.129-148

[3] وَرَدَ ذِكْرُهَا في مواضع مُتفرقة مِنْ (عُمدة الرّاوين)، ج.8 و9 و10

[4] عُمدة الرّاوين، ج.8 ، ص.173

[5] عُمدة الراوين، ج.8 ، ص.186-190

[6] عُمدة الراوين، ج.8 ، ص.173-180

[7] عُمدة الرّاوين، ج.8 ، ص.181 وما بعدها

[8] طُبع بعنوان: (هداية المسترشد لفهم نظم المرشد).

[9] في بعض النُّسَخِ: (لِطُلَّابِ).

[10] في بعض النُّسَخِ: (تَذْكِيرُ).

[11] وهذا الكتاب هو آخر ما طُبِع مِنْ كُتُبِ أبي العباس أحمد الرهوني، حَقّقَه الأستاذ نور الدين الغياط، وصدر عام 1435هـ/2014م عن منشورات (مركز عُقبة بن نافع للدراسات والأبحاث حول الصحابة والتابعين) بطنجة، التابع للرابطة المُحَمّدِيَّة للعُلَمَاء، في 192 صفحة.

[12] طُبِع بعنوان: (تحفة الإخوان بسيرة سَيِّدِ الأكوان).

[13] ورد العنوان في بعض النُّسَخِ كالآتي: (الجواهر الثّمينة في تَصْيِير وَهْبَة أولاد مدينة).

[14] في بعض النُّسَخِ: (التحقيق والتدقيق والإفادة في تحرير مسألة مِنْ بَابِ الرجوع عن الشهادة).

[15] العنوان في بعض النُّسَخِ هو: (اللُّؤْلُؤُ الحَطِيب اَلْمُخْتَصَر مِنْ كِتاب «نَفْحِ الطِّيبِ»).

[16] طُبِع بعنوان: (حُلَلُ الديباج، المُطَرّزة بقصّة الإسراء والمعراج).

[17] نشره الدكتور محمد الشريف في كتابه: تطوان حاضنة الحضارة المغربية الأندلسية، ص.215-241 (منشورات تطاون أسمير.2013م)

[18] تآليف الرهوني التي طُبعت هي التي تحمل في هذه القائمة أرقام: 1-2-3-4-5-8-10-15-17-19-29-32-34-35-36-37.

[19] تَرْجَمَهُ المُؤَرِّخ مُحَمّد بن عزوز حَكِيم إلى الإسبانية، وطُبع في تطوان عام 1953م.

[20] لاسِيَما في جريدة (الإصلاح) ومجلّة (الاتحاد).

[21] صدرت عن منشورات "أفريقيا الشرق" – الدار البيضاء.

[22] سيُطبع قريبا بتحقيق الأستاذ يونس السّبّاح. ضمن منشورات (مركز عقبة بن نافع للدراسات والأبحاث حول الصحابة والتابعين) بطنجة.

[23] هذا المُلَخَّص كتبه أحمد الرهوني في كُنّاش، ثم أذاعه في حلقات على أمواج راديو تطوان عام 1938م.

[24] محمد داود، تاريخ تطوان، ج.1 ، ص.57 (منشورات معهد مولاي الحسن - تطوان.1379هـ/1959م)

[25] محمد داود، تاريخ تطوان، ج.1 ، ص.58



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها