محمد ميارة الفاسي

إن سيدي محمد ميارة يندرج ضمن سلسلة مباركة لانتقال العلم والصلاح في بلدنا المبارك، ويكفي أن نعرف أن هذه السلسلة تضم ابن عاشر والمقري وأبي سالم العياشي حتى ندرك مسألة طالما أشرت إليها في مقالاتي حول علماء المغرب، وهي أن منطقا ثاويا يسري في ثنايا الاجتماع والعمران المغربي مفاده أنه يصعب تفكيك معطيات التاريخ العلمي والحضاري للمغرب من دون استحضار هذه السلاسل المباركة في علاقتها بالمجال والإنسان. إن عملا كهذا -والذي لا يخفى على ذوي النباهة أنه عمل أنثربولوجي كبير- سيمكن من إعادة تركيب عناصر الشخصية المغربية في بعدها العلمي المعرفي أملا في استعادة ألق نفتقر إليه اليوم بشكل مزمن بخصوص أزمة العلم والقراءة والتكوين والأستاذ والتلميذ والتربية والجامعة، وعلاقة كل ذلك باجتماعنا المغربي ضمن رؤية عمرانية شاملة نرجو من الله أن تتحرك الهمم من أجل وضعها ضمن أولويات النهوض ببلادنا..

محمد الإكراري

قبل أن ينتقل المؤرخ الفاضل حمدي أنوش إلى الرفيق الأعلى يوم 29 مارس 1997، كان قد انتهى من تحقيق كتاب نفيس في علم التراجم هو كتاب روضة الأفنان في وفيات الأعيان لصاحبه العلامة محمد بن أحمد الإكراري. وقد آثرت في هذه الحلقة أن نحلق معا في المجال السوسي المبارك مع الإكراري وكتابه، وأيضا مع المرحوم المحقق حمدي أنوش صاحب الفضل في إظهار كتاب روضة الأفنان إلى الوجود..   

إضاءات حول فكر العلامة محمد بن الحسن الحجوي

في مقال بجريدة الشرق الأوسط[1] يحلل المفكر اللبناني رضوان السيد بعض جوانب الفكر الإصلاحي عند محمد بن الحسن الحجوي، ومن بين ما خلص إليه : “أنه إذا كان هناك تماثُلٌ في الإطار المرجعي بين أمثال الطاهر الفاسي وابن الموّاز وخير الدين التونسي ومحمد عبده ورشيد رضا وصولا إلى الثعالبي وعلال الفاسي؛ فإننا لا نكادُ نجدُ بين هؤلاء وعلى مدى قُرابة القرن مَنْ مارس مثل الحجوي عملينِ معاً وبالدأَب نفسه :

 
 
علماء فقهاء
عبد الله بن ياسين
عبد الله بن ياسين

 

د. جمال بامي

 مدير وحدة العلم والعمران بالمغرب

 

أنظر صور ضريح عبد الله بن ياسين بكريفلة

في السياق نفسه الذي حاولنا من خلاله فهم الأبعاد التاريخية والفكرية، والموضوعية لنشوء دولة المرابطين بالمغرب، وبعد مقاربة دور كل من أبي عمران الفاسي، ويحيى بن إبراهيم الجدالي، وواجاج بن زلو اللمطي، نتناول بالدرس والتحليل آخر حلقة في سلسلة تشكل الإطار الفكري والسياسي لحركة المرابطين، يتعلق الأمر بالفقيه المؤسس عبد الله بن ياسين الجزولي...

ينسب أغلب المؤرخين عبد الله بن ياسين إلى جزولة، وهو صنهاجي غير مشكوك فيه. ذكر صاحب " الحلل الموشية "، وهو مؤلف مجهول أن عبد الله بن ياسين درس في قرطبة مدة بلغت سبع سنوات، قبل أن يجلس بين يدي العلامة واجاج بن زلو اللمطي تلميذ أبي عمران الفاسي، وهذا ما يؤكده العلامة محمد المختار السوسي في "سوس العلامة" وفي "من خلال جزولة".

جاء في كتاب "الأنيس المطرب بروض القرطاس" لابن أبي زرع. أنه بعد انتداب واجاج بن زلو اللمطي تلميذه عبد الله بن ياسين الجزولي لمرافقة يحيى بن إبراهيم الجدالي إلى الصحراء لتعليم الصنهاجيين أمور الدين، دخل فقيهنا مع الأمير يحيى إلى جدالة واستقبل استقبالا كبيرا من طرف كدالة،ولمتونة، وأكرموه وعظموه لما ذكر لهم يحيى عنه من العلم والفضل.

يضيف بن أبي زرع الفاسي، أن عبد الله بن ياسين، شرع يعلم الصنهاجيين الشرائع ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، فلما رأوه شدد عليهم في ترك ما هم عليه من المنكرات هجروه، ونافروه، وقد غلب عليهم الجهل، فلما رأى عبد الله بن ياسين إعراضهم أراد الرحيل عنهم إلى بلاد السودان، فلم يتركه يحيى بن إبراهيم الجدالي، وقال له: "هل لك في رأي أشير به عليك؟ إن ها هنا في بلادنا جزيرة في البحر، إذا انحسر البحر دخلنا إليها على أقدامنا، وإذا امتلأ دخلناها في الزوارق، وفيها الحلال المحض الذي لاشك فيه من أشجار البرية، و صيد البر وأصناف الطير والوحوش والحوت، فندخل إليها فنعيش فيها بالحلال، ونعبد الله تعالى حتى نموت..." فقال له عبد الله بن ياسين: "هذا أحسن، فهلم بنا ندخلها على اسم الله، فدخلها ودخل معهما سبعة نفر من كدالة، فابتنياها رابطة... فتسامع الناس بأخبارهم فكثر الوارد عليهم، حتى اجتمع له من تلاميذه نحو ألف رجل من صنهاجة، فسماهم المرابطين، للزومهم رابطتهم...

يذكر الأستاذ إبراهيم حركات في كتابه " المغرب عبر التاريخ" (الجزء الأول) أن "المؤرخين اختلفوا في تحديد المكان هذا الرباط، والغالب أنه كان على مصب نهر السينغال حيث توجد بعرضه جزر صغرى أقاموا رباطهم بإحداها".

يذكر ابن أبي زرع في "روض القرطاس" المعارك التي خاضها المرابطون الأوائل ضد القبائل الصنهاجية التي ثارت ضد دعوتهم وهي كدالة ولمتونة ومسوفة، واستمروا في محاربة الخارجين عليهم إلى أن ملكوا بلاد الصحراء... وقام عبد الله بن ياسين ببعث مال عظيم مما اجتمع عنده من الزكاة والأعشار والأخماس إلى طلبة بلاد المصامدة وقضاتها...

ولما توفي يحيى بن إبراهيم الكدالي جمع عبد اله بن ياسين، رؤساء القبائل من صنهاجة، فقدم عليهم يحيى بن عمر اللمثوني، وأمره على سائرهم، لكن عبد الله بن ياسين حسب قول بن أبي زرع بقي الأمير على الحقيقة؛ لأنه هو الذي يأمر وينهي ويعطي ويأخذ.

هل يتعلق الأمر هنا باقتسام السلطة؟ السلطة الدينية لعبد الله بن ياسين، والسلطة السياسية لأمراء صنهاجة؟ أم أن الأمر أعمق من ذلك بكثير وأن حركة المرابطين في الصحراء ذات أبعاد فكرية وسياسية واقتصادية، كان عبد الله بن ياسين عقلها المدبر؟ أعتقد أن المؤشرات المجالية والجيوستراتيجية تدعو إلى الاعتقاد في وجود حركة مرابطية منظمة على أكثر من صعيد لعل أولها لجوء عبد الله بن ياسين، وقاعدته البشرية الصنهاجية إلى محاربة الجيوب المذهبية المضادة للمذهب المالكي، في منطقة سوس خصوصا قوم من الروافض يقال لهم البجلية منسوبين إلى عبد الله البجلي الرافضي الذي كان قدم إلى سوس حين قدم عبيد الله الشيعي إلى إفريقية حسب ما أورده انن أبي زرع في "روض القرطاس"...

أما العامل السياسي الجوهري الذي نفهم من خلاله الأبعاد الموضوعية لحركة عبد الله بن ياسين، فيتجلى في القوة التي كانت عليها مملكة غانة في بداية القرن الخامس الهجري، وكان الملثمون الذين يشكلون القسم الأعظم من صنهاجة الصحراء، يسيطرون على تجارة السودان، وقد رغبوا في الاستيلاء على أودغشت، المركز التجاري المهم قرب نهر النيجر سنة 432هـ، وقد كانت من قبل في أيديهم، إلا أنهم انهزموا أمام الغانيين...

 والواقع، كما يقول الأستاذ إبراهيم حركات في كتابه "المغرب عبر التاريخ" أن حرب الغانيين والملثمين كانت صراعا اقتصاديا وتجاريا، فقد كانت أهم طريق تجارية بين شمال الصحراء وجنوبها تمر من سجلماسة إلى أودغشت، وكان على القوافل أن تمر بديار الملثمين الذين سيطروا على تجارة الملح أيضا، حتى إذا طردهم الغانيون من أوغشت فقدوا سيطرتهم على أرض السودان، وفقدوا معها الإيرادات التي كانت تدفعها القوافل.

من هنا نفهم تراجع المرابطين إلى الشمال واستغلالهم اضطراب الأحوال السياسية للدخول إلى سجلماسة، باعتبارها قاعدة أساسية في المسلك التجاري الذي يربطها بأودغشت في الجنوب.

وفي دراسة قيمة للأستاذ الموساوي العجلاوي نشرت في "أشغال الملتقى الأول لكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمراكش سنة 1988م" تحت عنوان: "من أودغشت إلى مراكش" : قراءة في تاريخ المرابطين من خلال وثائق أركيولوجية، نجد الكثير من المؤشرات التي تجعل من حركة عبد الله بن ياسين بعيدة كل البعد عن العفوية والسذاجة، التي قدمت بها في كثير من المصادر التاريخية، بل يظهر على العكس من ذلك أن نشوء الحركة المرابطية كان عملا منظما بكل المقاييس، كانت قاعدته الفكرية لا لبس فيها، عقيدة سنية مالكية، ومطامحه السياسية والاقتصادية، مرتبطة بقراءة عميقة للأحداث وظروف الوقت.

يرى الأستاذ الموساوي العجلاوي، أنه يجب وضع حركة عبد الله بن ياسين، ويحيى بن إبراهيم الجدالي، ثم يحيى بن عمر في إطار توحيد حلفي صنهاجة حلف أودغشت، وحلف الطريق التجاري، فما يذكر عن اعتزال عبد الله بن ياسين مع أصحابه في رباط قد يعكس نمط عيش الحلف الصنهاجي المرتبط بالطرق في مواجهة الصنهاجيين المستقرين في أودغشت.

يمكن طرح مجموعة من الاحتمالات أهمها أن عبد الله بن ياسين أسس رباطه وتوسع على حساب صنهاجة الزحل، وأنه توجه إلى الشمال ليسيطر على سجلماسة المركز التجاري المهم، وهذا ما يفسره المؤرخون بالنداء الذي وجهه فقهاء المدينة إلى المرابطين من أجل تخليصهم من الظلم.

ويضيف الأستاذ العجلاوي أنه: " ليس من باب الصدف أن تأخذ منطقة سوس باهتمام المرابطين إلى هذه الدرجة دون أن يكون هناك وازع مرتبط بمعطيات سجلماسة وأودغشت، والخط التجاري نحو ممالك السودان، فمنطقة سوس والأطلس الصغير على الخصوص كان يختزن مناجم النحاس التي توفر المادة الأساسية في الاتجار مع ممالك السودان، للحصول على الذهب الذي ستزداد حاجة الدولة الجديدة إليه، وما يحكيه الإخباريون عن رجوع أبي بكر بن عمر نحو الصحراء لنشوب صراع بين بعض القبائل الصنهاجية، أليس مبعثه بالدرجة الأولى تأمين الطريق التجاري نحو منابع الذهب؟".

إن ما سيمكننا من استيعاب الدور المفصلي لعبد الله بن ياسين في المجال الصنهاجي هو فهم أعمق لمجموعة الأحداث التي رافقت تأسيس الدولة المرابطية؛ لأنه الاختيار ذو المردودية العالية لإعادة بناء أحداث، وواقع الدولة المرابطية على مجموع المستويات المادية، والروحية والاجتماعية و الثقافية.

إن المرحلة الأخيرة من حياة عبد الله بن ياسين الجزولي، سيكون مسرحها مجال تادلة وتامسنا؛ إذ بعد العمل الفكري والسياسي، والاستراتيجي الذي قام به لإعادة ربط الصلة بين المغرب وعمقه الصحراوي، ثقافيا واقتصاديا وسياسيا، سيفرغ لمحاربة خصوم سياسيين أشداء إيديولوجيا، واقتصاديا... يتعلق الأمر بالتجمع القبلي البرغواطي الذي كان مجاله الحيوي يمتد من مصب نهر أبي رقراق شمالا إلى مصب نهر أم الربيع جنوبا، وكانت لهم قاعدة بشالة، وامتدت في منطقة تادلة ومنطقة دكالة.

لقد كان صراع عبد الله بن ياسين مع برغواطة صراعا مصيريا، سيلقى مصرعه فيه سنة 451هـ وسيدفن بكريفلة، بين الرباط والرماني، ولا زال إلى اليوم يعرف مزاره باسم سيدي عبد الله "مول الغارة" تخليدا للرسالة التي حملها على عاتقه.

                والله الموفق للخير والمعين عليه



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها